الرئيسية      ا      حماسنا.كوم         ا       حماسنا.اورج         ا      اتصل بنا

 

 

أولى الفن الإسلامي اهتماماً خاصاً

علاقة الشيخ أحمد ياسين بالفن

إعداد : ابتسام مصطفى صايمة - حماسنا

-------

 

من لا يعرف الشيخ أحمد ياسين عن قرب يعتقد أن عمله كان يقتصر على الدعوة وقيادة حركة حماس سياسياً. غير أن رفاقه القدامى وتلاميذه يؤكدون نظرته الشمولية للدعوة، ويروي البعض حكايات حكايات تتضافر لتشكل معاً إطاراً واضحاً لمشروع الشيخ أحمد ياسين الثقافي.

 

يؤكد الأستاذ محمد حسن الشمعة، وهو أحد مؤسسي حركة حماس الستة، أن الشيخ أحمد ياسين كان يؤمن بدور الكلمة الفاعل في تغيير واقع الأمة، وذلك عن طريق تغيير الفكر الثقافي، وخاصة بعد هزيمة 67 وتراجع الفكر القومي، حيث ساد في تلك الحقبة التيار اليساري الذي طرح بديلاً عن فكر الأنظمة المنهزمة، وكان هناك مقابله أيضاً الفكر الإسلامي، ولكنه كان محارَباً بسبب عداء الأنظمة لحركة الإخوان المسلمين.

ورغم الانتشار الشديد للكتب التي تحمل الفكر  اليساري –يقول الأستاذ الشمعة- كان الكتاب الإسلامي مفقوداً بسبب الحرب المعلنة على قادة الفكر الإسلامي أمثال سيد قطب الذي منعت كتبه، حتى كتب الأطفال جمعوها من المدارس في القطاع.

 

يلفت الشيخ عاهد عساف رفيق الشيخ في سجنه، أن الشيخ كان يخصص ساعتين يومياً بعد العصر للقراءة في أمهات الكتب والمصادرالإسلامية، عدا عن قراءة الورد الصباحي والقرآن، وقراءة الجرائد والصحف مساء. وكان ملماً العبرية ومتقناً للإنجليزية.

 

- لدى سؤالنا للدكتور عبد الخالق العفّ رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة الإسلامية في غزة، عن علاقته بالشيخ ونظرته الثقافية قال:

لقد عرفت المعلم شيخ الشهداء الياسين خطيباً في أواسط السبعينات، كنا نذهب إلى مخيم الشاطئ لسماع خطبه ودروسه ومواعظه، ملأ أسماعنا بدقة لغته وسلامتها وسلاستها، وامتلك قلوبنا بإخلاصه ووضوح مقاصده. إضافة إلى خفة ظله وروحه المرحة التي كانت تؤنس الجالسين حوله والمتحلقين حول نوره البهي وطبعه الندي وصوته الشجي.

قَّدر الله لي أن ألتقى بالشيخ أحمد ياسين مرات عديدة وأنا في المرحلة الثانوية، وكمن أعرض عليه محاولاتي في كتابة الشعر والزجل الشعبي، وكان يشجعني ويصوب أخطائي في اللغة والوزن، فقد كان يرحمه الله ذا حسٍّ مرهف ودراية واسعة بعلوم العربية وسائر العلوم الإسلامية.

 

دورالمسجد في التثقيف

كان الشيخ حريصاً على إرجاع الناس إلى المساجد، حيث يصنع الرجال هناك. وكان أول من طرح ونفذ فكرة دروس التقوية في المساجد، فبدأ بتدريس تلاميذه بعد عصر كل يوم في المسجد دروساً إضافية مجانية.

 

وفي هذا المجال يتابع الأستاذ الشمعة الذي يشغل إدارة مدارس دارالأرقم في غزة، أنه إيماناً من الشيخ بضرورة خلق جيل واع مثقف يتحمل تبعات المرحلة ويحمل الفكر الدعوي ويكون قادراً على مجابهة الواقع المنهزم وإعادة بلورته من جديد، أيقن إن الأمة لا ترقى إلا بالقراءة. فكان أول من أنشأ مكتبة عامة في مسجد، فيروي قصة المكتبة الأولى في مساجد القطاع، ويقول:

كان إماماً لمسجد العباس في مدينة غزة، وأثناء عمله هناك لاحظ تردد الشباب والأطفال على مكتبة تبشيرية تابعة لمركز النور القريب من المسجد، ففكر في طرح بديل إسلامي لهم، وهو إنشاء مكتبة إسلامية متنوعة في المسجد، لتكون بديلاً عما تقرأه أجيال فلسطين هناك، حيث رأى ان الجيل الذي سيقرأ كتباً تبشيرية ويلتحق بهذه الجمعيات، ليس هو الجيل الذي سيحمل هم الدعوة وراية الجهاد في فلسطين.

 

يومها جلس بعد خطبة الجمعة وواجه الناس بالمشكلة، وطلب من كل من يملك كتاباً إضافياً أن يحضره إلى المسجد، وفي الجمعة التي تلت حديثه المذكور، تجمّع عند الشيخ عدد كبير من الكتب كانت نواة أكبر مكتبة في مساجد غزة. بعد ذلك انتشرت الفكرة وامتدت إلى كل مساجد القطاع.

 

الأدب المقاوم

الدكتور عبد الخالق العفّ، من مؤسسي منتدى أمجاد الناشط ثقافياً في غزة، ودكتور النقد الأدبي في الجامعة الإسلامية، سألناه عن اهتمام الشيخ بالأدب ودوره، ففاجأنا باهتمام الشيخ بالتفاصيل الدقيقة لأمور يصعب إدراك تفاصيلها بسهولة مثل التطور الفكري والفني والأدبي. ويقول:

عندما أطلق سراح شيخنا المجاهد من سجنه، ذهبنا لزيارته، وأحب أن يطمئن بعد غياب على الجانب الثقافي والفني، ولما أحس ببعدنا عن متابعة الفرق الفنية، وجّه إلينا عتابه وقال: أنتم الأكاديميون في كلية الآداب مسؤولون عن توجيه فكر الأمة ونهضة حضارتها والارتقاء بذوقها فلا تقصروا، ووظفوا ما تعلمتم في خدمة دعوة الله تعالى ونشر دينه، شجعوا الشباب على الإبداع والأدب الملتزم والفن الراقي نظموا لهم المسابقات المهرجانات الفنية والأدبية.

 

ترك كلام الشيخ فينا أثراً كبيراً ، وبعث فينا الهمة وبثّ الحياة في قلوبنا وأحيا النبض في عروقنا، فقررت مع مجموعة من الأخوة والأخوات المتخصصين الغيورين المهتمين برعاية الثقافة والأدب والفن إنشاء ((منتدى أمجاد الثقافي)) عام 2003 ، أقمنا مجموعة من الندوات والمهرجانات الأدبية والفنية وعقدنا مسابقة أمجاد الإبداعية الأولى للأدب المقاوم، وكم كانت فرحة الشيخ كبيرة وعظيمة بأبنائه المبدعين، نظر إلينا بعين الرضا ونحن نوزع الجوائز على الفائزين من خمسين متسابقاً من الضفة والقطاع في مجالات الشعر والقصة والمسرح.

 

أقمنا دورات صيفية في الشعر والرواية، ثم نشرنا العدد الأول من مجلة ((أمجاد)) في شهر مارس 2004، وأهدينا الشيخ عدداً منها وكان سعيداً بهذه الخطوة الرائدة وأوصانا بالاستمرار في هذا العمل الريادي.

 

الفن الإسلامي

الشيخ أحمد ياسين هو مؤسس الفن الإسلامي بفلسطين، يقول الأستاذ سعد إكريم مدير شركة أمجاد للإنتاج الفني، مرجعاً ذلك إلى ما يتمتع به الشيخ من فهم شمولي لإسلامنا العظيم، ولإيمانه الشديد بأهمية هذا الثغر الإسلامي العظيم وتأثيره على كافة شرائح المجتمع. وكان من أكثر الناس تشجيعاً لفكرة إنشاء مؤسسة مركزية للعمل الفني الإسلامي يتم من خلالها توحيد الجهود الفردية المبعثرة وصياغتها في قالب وفق رؤية محددة.

 

الأستاذ إكريم تذكّر ما كان يقوله الشيخ للمنشدين والفناني حول دور الفن:

كان دائماً يقول: يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن التبسم في وجه أخيك صدقه، والرسول صلى الله عليه وسلم حثنا على إدخال السرور على قلوب المسلمين، فيكفي الفنان الإسلامي شرفاً بأنه يطبق هذه النصوص النبوية، ولهذا يجب أن يعمل الفنان الإسلامي على هذا الثغر بكل ما أوتي من قوة لأن الأعداء ما سيطروا إلا باهتمامهم بالإعلام والفن كوسائل لتدمير عقيدة المسلمين، فلا بد من مقابل إسلامي قوي يعمل وفق خطة موجهة.

ورغم المسؤوليات الكثيرة على كاهله، كان الشيخ يؤمن إيماناً تاماً بأنه يجب الاهتمام بالإعلام والفن على صعيد الصحوة الإسلامية لما لهما من أثر كبير في التغيير.

 

ولم يكن الشيخ يتردد في متابعة شؤون الفن الإسلامي في التفاصيل، كما يقول الدكتور العفّ، أن الشيخ استدعاه أكثر من مرة ليكلفه بمسؤوليات تفصيلية في هذا المركز أو تلك المؤسسة. ويتذكر الدكتور العفّ:

التحقت بالجامعة الإسلامية بغزة ونصحني الشيخ بدراسة اللغة العربية فانتسبت لهذا القسم الذي يتناسب مع رغبتي وهوايتي.

 

في العام 1983 انتخبت عضواً في مجلس الطلاب وكنت أميناً للجنة الفنية، واستطعت بفضل الله تعالى ومعونة إخواني وتوجيهات شيخنا السديدة الارتقاء بالفرق المسرحية وفرق النشيد الإسلامي وبدأت كتابة نصوص شعرية للمنشدين.

بعد تخرجي من الجامعة استدعاني الشيخ وعرض عليّ الإشراف على إحدى الفرق الفنية الإسلامية كوظيفة مؤقتة، وعملت عاماً كاملاً مع هذه الفرقة الأمر الذي أتاح لي الاقتراب من المربي الفاضل والأب الحنون والتزود من علمه وأدبه الجمّ، غلى ان سافرت لإتمام دراساتي العليا.

 

ويؤكد الأستاذ إكريم متابعة الشيخ لسير العمل، ودعمه لشركة أمجاد للإنتاج الفني، دعم المساهمين بشركة أمجاد للإنتاج الفني بغزة معنوياً وشجعهم ، وعندما طلبوا مساعدته مادياً في بعض الأعمال الكبيرة مثل أوبريت ((آه ياقدس)) لم يقصر، وذلك لأن هذا العمل يحمل رسالة الصراع مع الكيان الصهيوني. وكان يجتهد في توجيه النصائح المتتالية للقائمين على الشركة ليبقوا على مسارهم. وكان يستمع لإصدارات الكاسيت التي تنتجها الشركة وإبداء ملاحظاته ونقده علي أي إصدار تقدمه له، ومن أهم الإصدارات (هب البطل – شد شراعك – صحوة ضمير – عائد).

 

ياسين و المسرح

لم يغب المسرح عن دعوة الشيخ، بل سعى لإنشاء مسرح إسلامي متخصص يخرج من الأسلوب الكشفي إلى الأسلوب الاحترافي. سألنا الدكتور العف عن أهمية المسرح عن الشيخ ياسين وتجربته الشخصية معه، فقال:

مما يدلل على وعي الشيخ بطبيعة المرحلة والصراع الحضاري واستشراف آفاق المستقبل حرصُه على تطوير مجالات الدعوة الفنية والثقافية، فقد اقترح عليَّ بعد إتمام الدراسة الثانوية أن أتعلم الإخراج المسرحي في إحدى الأكاديميات الفنية، وقد أدرك ببصيرته النافذة أن جهد الفرق المسرحية الناشئة - رغم بداياته المخلصة والرائعة – كان يفتقر إلى منهجية الأداء وعلمية الشكل والمحتوى ووسائل التقنية المسرحية المعاصرة وسائر المعايير الفنية ، ولكن ظروفاً حالت دون ذلك.

 

بناء أجيال الغد

إن بناء الجيل المسلم الذي هو هدف الشيخ اتخذ مناحي ومظاهر مختلفة تصب في الهدف نفسه.

ومن مظاهر هذا البناء – يقول الأستاذ محمد حسن الشمعة - الاهتمام أيضاً بالثقافة، وتشجيعه لعقد مسابقات في المسجد للأطفال، وذلك لجذبهم إلى المسجد عن طريق تحفيزهم بالجوائز.. كانت هذه الحلقات والتي ما زالت متبعة إلى يومنا هذا تجذب أعداداً كبيرة من الأطفال التي كان يعوّل عليها الشيخ كثيراً في نصرة الأمة.

 

ويؤكد الأستاذ سعد إكريم اهتمام الشيخ بهذه الشريحة عندما يتذكر زياراته للشيخ، فيقول:

كنت وبصفتي مديراً لشركة أمجاد للإنتاج الفني بغزة، أقوم بزيارات لكثير من المهتمين والمؤسسين للفن للتشاور معهم وللاستفادة من تجاربهم وخاصة أصحاب الرأي منهم مثل الشيخ أحمد ياسين، وكل زيارة كنت أخرج بالكثير من الفوائد، فعندما كنت في زيارة خاصة للشيخ طلب مني الاهتمام بمسرح الطفل والاهتمام بنوعية الأفكار التي تعرض، وذلك لزرع أفكارنا في الجيل القادم منذ الصغر.

 

كما لم ينس الشيخ أن كل هذه الفنون لا يجب أن تقتصر على الجيل الذي يقوم بها ويشاهدها، بل يجب أن تصل إلى الأجيال القادمة لكي تتراكم المعرفة عندها وتعمل على تطويرها. ويؤكد ذلك ما اختتم به لقاءنا الأستاذ سعد إكريم: ((طلب مني الشيخ توثيق كلمات النشيد الإسلامي الذي تنشده الفرق داخل قطاع غزة، كما طلب توثيق بعض النصوص المسرحية القوية وليس كل ما يعرض، وكان دائماَ يقول أن هذا تراث وحضارة لا بد من الحفاظ عليها)).

 

هذه بعض جوانب ومنطلقات النشاط الثقافي للشيخ الشهيد القائد أحمد ياسين، الذي أكرمه الله واتخذه شهيداّ كما تمنى، والذي شحذ الهمم وفجّر الطاقات وحرك السواكن وأقام الحجة، فلا حجة لقاعد أو متقاعس.

 

 

¤¤¤¤¤¤¤¤
 


 


 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد ياسين - القاهرة 2006